زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
84
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
فإن قلت : ظاهر الآية يقتضي عدم وجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ؟ قلت : لا نسلّم ذلك ، فإنها إنما تقتضي أن المطيع لا يؤاخذ بذنوب المضل . أو لأن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان ، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على نفسه ، أو عرضه ، أو ماله . 45 - قوله تعالى : قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 109 ] . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أنهم عالمون بماذا أجيبوا ؟ قلت : هذا جواب دهشة وحيرة ، حين تطيش عقولهم من زفرة جهنّم . أو المعنى : لا علم لنا بحقيقة ما أجابوا به ، لأنّا لا نعلم إلا ظاهره ، وأنت تعلم ظاهره وباطنه ، بدليل آخر الآية . وقيل : المراد منه المبالغة في تحقيق نصيحتهم ، كمن يقول لغيره : ما تقول في فلان ؟ ! فيقول : أنت أعلم به منّي ، كأنّه قيل : لا يحتاج فيه إلى شهادة لظهوره . 46 - قوله تعالى : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [ المائدة : 112 ] الآية . فإن قلت : كيف قال الحواريّون ذلك وهم خلّص أتباع عيسى وهو كفر ، لأنه شكّ في قدرة اللّه تعالى وذلك كفر ؟ ! قلت : الاستفهام المذكور ، استفهام من الفعل ، لا من القدرة ، كما يقول الفقير للغني القادر : هل تقدر أن تعطيني شيئا ، وهذه تسمّى استطاعة المطاوعة ، لا استطاعة القدرة . والمعنى : هل يسهل عليك أن تسأل ربك ؟ كقولك لآخر : هل تستطيع أن تقوم معي ؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك . فإن قلت : لو كان مرادا ، لما أنكر عليهم عيسى بآخر الآية ؟ قلت : إنكاره عليهم إنّما كان لإتيانهم بلفظ ، لا يليق بالمؤمن المخلص ذكره . 47 - قوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] الآية . إن قلت : كيف قال عيسى ذلك ، مع أنّ كل ذي نفس فهو ذو جسم ، لأن النّفس جوهر قائم بذاته ، متعلّق بالجسم تعلّق التدبير ، واللّه منزه عن ذلك ؟